اللص الذي سبقنا إلى الفردوس حين وُلِد الرجاء على خشبة صليب في ليلة الميلاد، ننظر إلى مزود صغير، طفل ملفوف بقماط، هادئ، وديع، يبتسم له الرعاة والملائكة. لكن في قلب القصة نفسها، بعد ثلاثة وثلاثين عامًا، يقف مشهد آخر: ثلاثة صلبان… ورجلان مذنبان… وبينهما يسوع.
قد يبدو الحديث عن الصليب في عيد الميلاد غريبًا، لكن الميلاد بلا صليب مجرد قصة جميلة، أما الميلاد مع الصليب فهو خلاص. ومن بين الصلبان الثلاثة، يسطع اسم واحد بلا تاريخ ولا معجزات ولا أعمال عظيمة: أحد اللصين. اللص… إنسان في أقصى الهامش لم يكن هذا الرجل نبيًا ولا تلميذًا ولا قائدًا. لم يحمل رسالة، ولم يصلِّ صلاة طويلة، ولم يعش حياة مستقيمة. كل ما نعرفه عنه أنه لص، وأن حياته انتهت حيث لا رجاء يُرى. مرفوض من المجتمع، مدان من العدالة، معلّق بين السماء والأرض، لا يملك وقتًا ليصلح ما أفسده، ولا فرصة ليعوّض من جرحهم.
إنه الإنسان في أقصى حالاته ضعفًا… وحين يصل الإنسان إلى هذه النقطة، يبدأ الله. لحظة الميلاد الثانية بينما كان الألم يمزّق جسده، رأى هذا اللص شيئًا لم يره كثيرون: رأى ملكًا في جسدٍ مصلوب. رأى براءة في وسط الإدانة. رأى نورًا لا تُطفئه المسامير. التفت إلى يسوع وقال”اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك”. لم يطلب نزولًا من الصليب، لم يطلب عمرًا جديدًا، لم يطلب تبريرًا… طلب فقط أن يُذكَر. وهنا حدثت أعظم مفارقة في التاريخ: رجلٌ لم يفعل شيئًا صالحًا… يسبق الجميع إلى الفردوس. الجواب الذي غيّر الأبدية الحق أقول لك: “اليوم تكون معي في الفردوس”. لم يقل له: انتظر، لم يقل له: عُد وأصلِح، لم يقل له: لم يفت الأوان. قال له: اليوم. هكذا يُفهم الميلاد حقًا: الله لا ينتظر أن نصلح أنفسنا أولًا، بل يأتي إلينا كما نحن… ويصنع فينا ما لا نستطيع صنعه بأنفسنا.
لماذا نذكر اللص في عيد الميلاد؟
لأن الطفل الذي وُلد في مذود، هو نفسه الذي فتح باب السماء لرجلٍ مصلوب. لأن الميلاد إعلان أن الله قريب من الخطاة، وقريب من المنكسرين، وقريب من الذين لم يعد لديهم وقت. اللص التائب هو بشارة الميلاد مرفوعة على خشبة: لا أحد متأخر أكثر من اللازم. اللص التائب… أيقونة الرجاء هذا الرجل لم يملك وقتًا ليغيّر حياته، لكن قلبه تغيّر في لحظة. والله لا يقيسنا بطول الزمن، بل بصدق القلب.
إنه يعلّمنا أن:-
التوبة ليست مسألة سنوات، بل مسألة صدق – الرحمة أقوى من التاريخ الأسود – الله لا يرفض من يأتي إليه في آخر الطريق الميلاد يُكمَل هنا في المزود، بدأ الطريق. وعلى الصليب، اكتمل. وبكلمة واحدة، فُتح الفردوس. الميلاد ليس احتفالًا بالبراءة فقط، بل إعلانًا أن الرجاء يصل إلى أبعد نقطة… حتى إلى صليب لصٍّ يحتضر.
الخاتمة: –
رسالة الميلاد لكل واحدٍ منا في عيد الميلاد المجيد، ننظر إلى الطفل… لكن فلننظر أيضًا إلى اللص. لأنه يشبهنا أكثر مما نتصور: ضعفاء، مكسورون، متأخرون… لكننا محبوبون. وإن كان لصٌّ على خشبة قد سمع”اليوم تكون معي في الفردوس”، فكم بالأحرى نحن، إن فتحنا قلوبنا للنور؟ ميلاد مجيد ولْيولد الرجاء فينا… ولو في آخر لحظة.
اضف تعليقًا
يجب logged in لكي تضيف ردا.