“اخْرُجْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ، وَهَلُمَّ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ ” ( أعمال 7: 3 ) إن مفتاح حياة إبراهيم هو كلمة “الانفصال”. لقد كان منذ البداية، وحتى النهاية، إنسانًا مُنفصلاً؛ مُنفصلاً عن أرض آبائه وأقاربه، مُنفصلاً عن لُوط، مُنفصلاً – كغريب ونزيل – عن شعب الأرض، مُنفصلاً عن وسائله الخاصة لضمان تحقيق وعود الله، مُنفصلاً عن بقية الجنس البشري بأحزان خاصة.

وهذا أتى به إلى شركة أوثق مع الله، أكثر مما وصل إليه أي بشر. مُنفصلاً لأجل شركة سامية ورفيعة في الأفكار والخطط، التي لم يستطع الله أن يخفيها عنه! لكنه كان انفصال الإيمان. هناك شكل من الانفصال معروف بين البشر، وفيه تبتعد النفس وحيدة منفردة، لكي تضمن وقت فراغ بدون إزعاج، لأجل التكريس، أو لقضاء الساعات في الصوم والصلاة، على أمل الفوز بالخلاص كمكافأة لها على تقشفها.

لكن ليس هذا هو الانفصال الذي دعا الله إبراهيم إليه، أو الذي نُدعى نحن إليه. إن انفصال إبراهيم ليس مثل انفصال أولئك الذين يرغبون في أن ينالوا الخلاص؛ لكنه بالأحرى هو انفصال أولئك الذين خلصوا. إنه ليس مُتجهًا نحو الصليب، بل مُنطلقًا من عند الصليب. ليس باستحقاق أي شيء، بل لأن القلب قد رأى طيف الله، ولا يُمكنه الآن أن يرضى بأشياء فتنته أو أبهجته من قبل.

وهكذا بترك هذه الأمور خلفه، فإنه يمد يديه بشوق غامر للحقائق الأبدية، وبالتالي فإنه يُقاد تدريجيًا – ودون اكتراث بالخارج – بعيدًا عن المرئي إلى غير المرئي، ومن الوقتي إلى الأبدي.

ليت لدينا مثل هذا الانفصال! ليتنا نُمسك بالدعوة الإلهية، ونستنير بالوعد الإلهي! وإذ نسمع عن تلك الأرض الجميلة، وتلك المدينة المجيدة، وعن الأفراح الإلهية التي تنتظرنا، ليتنا نترك ونتخلى عن تلك الأمور الأدنى والضارة التي أعاقتنا لفترة طويلة، وأفسدت سلامنا، واستنزفت قوانا. وليتنا ننصب خيامنا، ونُطيع أمر الرب، رغم أنه قد يقودنا إلى حيث لا نعلم.

بقلم/ ف. ب. ماير

إذا اعجبك المقال اشترك معانا فى كورس كيف انمو فى حياتى مع المسيح.