الشخصية التي حملت ظِلَّها في ليلة الميلاد في الوقت الذي تلمع فيه شجرة الميلاد، وتتزين الكنائس بالأجراس والترانيم، يختفي اسم واحد في الخلفية… اسم يتجنبه الكثيرون. اسم يذكّرنا بأكثر قصص الإنسان ألمًا وانكسارًا: يهوذا الإسخريوطي.

قد يبدو غريبًا الحديث عن يهوذا في عيد الميلاد، لكنّ قصة الميلاد ليست فقط عن النور، بل عن النور الذي جاء إلى عالمٍ مملوء بالظلال. ومن بين تلك الظلال… يقف يهوذا.

من هو يهوذا؟

إنسان قبل أن يكون خائنًا. قبل أن نضعه في خانة الخيانة، يجب أن نتذكر شيئًا مهمًا: يهوذا كان إنسانًا. كان تلميذًا، يمشي مع المسيح، يسمع تعاليمه، يرى معجزاته، ويعيش في حضرته الإلهية. كان يهوذا شاهدًا أقرب من كثيرين لم يتركوا تراثًا… لكنه اختار طريقًا يصطدم بالنور. القصة هنا ليست فقط قصة خيانة، بل قصة صراع داخلي بين النور والظلمة، بين الرجاء والطمع، بين الدعوة القديمة وحبّ الذات.

ماذا نتذكّر يهوذا في عيد الميلاد؟

لأن الميلاد لم يأتِ لأجل الكاملين حين وُلد المسيح، وُلد في عالم يحتوي: – يوسف الأمين – مريم النقية – الرعاة البسطاء– المجوس الباحثين – وهيرودس القاسي – ويهوذا الذي سيأتي بعد 30 عامًا ليصنع قراره. لو كان العالم بلا يهوذا وبلا هيرودس، لم تكن هناك حاجة للميلاد.

ميلاد المسيح هو دخول الله إلى عالم مكسور، عالم تختلط فيه الخيانات بالأمانة، والضعف بالقوة، والظلام بالنور. ميلاد المسيح هو إعلان أن الله جاء لأجل الجميع، بما فيهم من سقطوا، ومن كسروا العهد، ومن لم يستطيعوا الصمود. يهوذا… القلب الذي لم يشفَ رغم قربه من المسيح، كان في داخله جرحٌ لم يُعالَج. كان طموحه أكبر من رسالته، وكان نظره على المال أكثر من السماء.

المشكلة ليست في السقوط… المشكلة أن يهوذا لم يعطي نفسه فرصة للعودة. في لحظة الخيانة، لم يكن يهوذا شريرًا بقدر ما كان تائهًا. وبعد الخيانة، لم يكن عاجزًا بقدر ما كان يائسًا. هذا هو الفرق بينه وبين بطرس: كلاهما سقط… لكن واحدًا آمن بالمغفرة، والآخر ابتلعته الظلمة.

ماذا يعلّمنا يهوذا في عيد الميلاد؟

1-أن القلب غير المشفي قد يضيع حتى لو كان قريبًا من الله يهوذا لم يكن بعيدًا… لكنه كان بعيدًا من الداخل. الميلاد يذكّرنا بأهمية نقاء القلب قبل كثرة المعرفة.

2-أن المحبة وحدها لا تُجبر الإنسان على التغيير المسيح أحب جميع تلاميذه بالتساوي… لكن كل واحد اختار طريقه بحرية. الميلاد هو هدية مجانية، لكن قبولها قرار شخصي.

3- أن الله يدخل إلى العالم لأنه يعلم هشاشتنا الميلاد ليس احتفالًا بمثالية البشر… بل اعترافًا بأننا نحتاج إلى مخلّص.

4-أن الظلمة مهما كانت قوية، لا تُطفئ نور الميلاد خيانة يهوذا لم توقف خطة الخلاص.

هذا هو سر الميلاد: النور لا يُهزم. يهوذا في عيون اللاهوت: ليس رمزًا للخيانة فقط… بل رمزًا للإنسان الضائع اللاهوت المسيحي لا ينظر إلى يهوذا فقط كقاتل معنوي للمسيح، بل كقصة الإنسان الذي لم يعرف كيف يتعامل مع ضعفه. قصة إنسان رأى النور، لكنه اختار الظل… ليس لأن الظل أفضل، بل لأنه لم يجرؤ على الاقتراب من النور. الميلاد يقول لكل يهوذا في داخلك: ما زال هناك وقت للعودة. النور ما زال ينتظرك.

الخلاصة: لماذا نذكر يهوذا في ليلة الميلاد؟

لأن الميلاد ليس فقط قصة الذين قبلوا النور، بل أيضًا قصة الذين لم يستطيعوا أن يقتربوا منه. لأن الميلاد ليس مجرد فرح، بل الفرح الذي دخل إلى عالم مجروح. ولأن المسيح جاء لا ليُدين يهوذا… بل ليخلّص ملايين “يهوذات” مثله، من فيهم أنا وأنت وكل من يفتش عن فرصة جديدة. في عيد الميلاد المجيد… فلنترك مزود بيت لحم يضيء أعمق ظلمة في داخلنا، لئلا نكرر قصة يهوذا دون أن نشعر.

بقلم/ مايكل داود

بشجعك بالاشتراك معانا فى كورس كيف انمو فى حياتى مع المسيح