التكريس والناموسية...... ج3 | تلمذة أونلاين

التكريس والناموسية...... ج3

 

 

ذكر بللي جراهام في كتابه (سبع خطايا مميتة) تلك القصة: "دعا أفلاطون بعض الأصدقاء إلى منزله.

وكان عنده سرير فخم جداً. فجلس أحدهم, وكان قذراً جداً, عليه. ولم يكتف بذلك بل وطأه بقدميه المملوءتين بالطين قائلاً:

أنا الآن أدوس علي كبرياء أفلاطون. فأجابه أفلاطون بلطف: ولكنك تفعل ذلك بكبرياء أكبر ياعزيزي."

كثيرون وهم ينتقدون الآخرين يكونون نظير صديق الفيلسوف. وفي المسيحية كثيرون يعتقدون أن التكريس

هو التزمت أو الزهد والتقشف, لكن هذا المزيج كثيراً ما يكون بعيداً تماماً عن التكريس الحقيقي للرب يسوع.

لذا فمن المهم التفرقة بين التكريس للمسيح، وبين الناموسية والفريسية والتحزبية. وعلينا أن نتذكر أن الغاية لا تبرر الوسيلة،

وأن ادعاء الدوافع النقية لمجد الله لا يكفي إن لم تكن مقترنة بمعرفة روح المسيح, ذلك المكتوب عنه:

ومن ملئه نحن جميعا أخذنا ونعمة فوق نعمة لأن الناموس بموسى أُعطِي أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا (يو1: 16و17).

هؤلاء الناموسيون والفريسيون والتحزبيون موجودون حتى الآن في كل كنيسة وطائفة في العالم،

وهم يظنون أنهم يجاهدون لمجد الله وإنقاذ الكنيسة من التسيب , لكن ليس أي جهاد هو جهاد حقيقي،

فمكتوب: إن كان أحد يجاهد لا يكلل إن لم يجاهد قانونياً (2تي2: 5).

والجهاد القانوني أي حسب روح المسيح. فلنحذر من العيش في الناموسية والفريسية والتحزبية معتقدين أننا نمارس أرقى أشكال التكريس.

 

أولاَ: الروح الناموسية

تتميز الروح الناموسية على الأقل بالآتي :
1-التقليد دون وعي: كتب خادم الرب جوان كارلوس في كتابه التلميذ: إن قوة التقليد مرعبة. إن الله يتوقف  عن أن يفعل أشياء كثيرة

يريد أن يعملها في وسطنا بسبب عبوديتنا للتقليد, فالرب قال: "وَلَيْسَ أَحَدٌ يَجْعَلُ خَمْراً جَدِيدَةً فِي زِقَاقٍ عَتِيقَةٍ لِئَلاَّ تَشُقَّ الْخَمْرُ الْجَدِيدَةُ الزِّقَاقَ

فَهِيَ تُهْرَقُ وَالزِّقَاقُ تَتْلَفُ. بَلْ يَجْعَلُونَ خَمْراً جَدِيدَةً فِي زِقَاقٍ جَدِيدَةٍ فَتُحْفَظُ جَمِيعاً. وَلَيْسَ أَحَدٌ إِذَا شَرِبَ الْعَتِيقَ يُرِيدُ لِلْوَقْتِ الْجَدِيدَ

لأَنَّهُ يَقُولُ:الْعَتِيقُ أَطْيَبُ" (لوقا5: 37-39).

فالإنسان بطبعه يصعب عليه التغيير.والشخص التقليدي هو الذي يفعل بدون فهم, فلقد كان الشعب في العهد القديم يمارس وصايا وشرائع

دون أن يفهم معناها (مثل ذبائح وشرائع سفر اللاويين), وقد ظهر المعنى في المسيح في العهد الجديد. ورغم أن العهد القديم عهد الناموس،

وما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال (عبرانيين8: 13)

إلا أن الروح الناموسية مازالت تسيطر على حياة بعض المسيحيين الذين يتمسكون بما وضعه الآباء بلا فهم:

"الَّتِي هِيَ جَمِيعُهَا لِلْفَنَاءِ فِي الاِسْتِعْمَالِ، حَسَبَ وَصَايَا وَتَعَالِيمِ النَّاسِ، الَّتِي لَهَا حِكَايَةُ حِكْمَةٍ، بِعِبَادَةٍ نَافِلَةٍ، وَتَوَاضُعٍ،

وَقَهْرِ الْجَسَدِ، لَيْسَ بِقِيمَةٍ مَا مِنْ جِهَةِ اشْبَاعِ الْبَشَرِيَّةِ" (كو2: 22و23).

"سَأَلَهُ الْفَرِّيسِيُّونَ وَالْكَتَبَةُ: "لِمَاذَا لاَ يَسْلُكُ تَلاَمِيذُكَ حَسَبَ تَقْلِيدِ الشُّيُوخِ بَلْ يَأْكُلُونَ خُبْزاً بِأَيْدٍ غَيْرِ مَغْسُولَةٍ؟

فَأَجَابَ: "حَسَناً تَنَبَّأَ إِشَعْيَاءُ عَنْكُمْ أَنْتُمُ الْمُرَائِينَ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: هَذَا الشَّعْبُ يُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ

عَنِّي بَعِيداً وَبَاطِلاً يَعْبُدُونَنِي وَهُمْ يُعَلِّمُونَ تَعَالِيمَ هِيَ وَصَايَا النَّاسِ. لأَنَّكُمْ تَرَكْتُمْ وَصِيَّةَ اللَّهِ وَتَتَمَسَّكُونَ بِتَقْلِيدِ النَّاسِ:

غَسْلَ الأَبَارِيقِ والْكُؤُوسِ وَأُمُوراً أُخَرَ كَثِيرَةً مِثْلَ هَذِهِ تَفْعَلُونَ" ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: "حَسَناً! رَفَضْتُمْ وَصِيَّةَ اللَّهِ لِتَحْفَظُوا تَقْلِيدَكُمْ" (مر7: 1-7).

2-التشديد على المسئولية دون النعمة: وجود المؤمن في عهد النعمة لا يعني أنه لم يعد مسئولاً,

وإلا فما فائدة كل التحريضات التي تملأ صفحات العهد الجديد؟ ولماذا القضاء؟

مكتوب:"لأنه الوقت لابتداء القضاء من بيت الله." (1بط1: 17).

و المؤمن الناضج يدرك أن النعمة والمسئولية كقضيبيّ السكة الحديد، اللذين وإن كانا لا يلتقيان لكنهما لا يتعارضان.

أما صاحب الروح الناموسية فيشدد على مسئولية المؤمن دائما دون وضع الأولوية للنعمة،

وغالبا ما يفعل هذا مع الآخرين لا مع نفسه ,

فيكون دائم الشكوى من الآخرين بدعوى أنه مكرس و يريد الآخرين أن يكونوا مكرسين, ولا يعلم،

أو لا يريد أن يعلم, أنه يعيش الروح الناموسية وليس التكريسية, روح قتل المحتطب في يوم السبت (عدد15: 32-36)؛

روح يعقوب ويوحنا تجاه السامريين: "وَأَرْسَلَ أَمَامَ وَجْهِهِ رُسُلاً فَذَهَبُوا وَدَخَلُوا قَرْيَةً لِلسَّامِرِيِّينَ حَتَّى يُعِدُّوا لَهُ.فَلَمْ يَقْبَلُوهُ

لأَنَّ وَجْهَهُ كَانَ مُتَّجِهاً نَحْوَ أُورُشَلِيمَ.فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ تِلْمِيذَاهُ يَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا قَالاَ:

 "يَا رَبُّ أَتُرِيدُ أَنْ نَقُولَ أَنْ تَنْزِلَ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتُفْنِيَهُمْ كَمَا فَعَلَ إِيلِيَّا أَيْضاً؟" 

فَالْتَفَتَ وَانْتَهَرَهُمَا وَقَالَ:

 "لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مِنْ أَيِّ رُوحٍ أَنْتُمَا! لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُهْلِكَ أَنْفُسَ النَّاسِ بَلْ لِيُخَلِّصَ." (لوقا9: 54-56). 

3-التركيز على الشكل دون الجوهر: 

ففي الناموس كل شيء منظم، وعلى الكل أن يتبع ذلك النظام بغض  النظر عن الجوهر.

فالكاهن يقدم ذبائح لأنه من أبناء هارون بغض النظر عن حالته الروحية.

والمسيحي صاحب الروح الناموسية ومدعي التكريس, كثيراً ما يركز على أمور شكلية إن تممها يعتبر نفسه أول المكرسين،

لكن القلب أهم: "هَذَا الشَّعْبُ يُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيداً." (مرقس7: 6)

 

4-غياب النظرة الكلية و التركيز على الجزئيات: فالناموس يقول:لأَنَّ مَنْ حَفِظَ كُلَّ النَّامُوسِ،

وَإِنَّمَا عَثَرَ فِي وَاحِدَةٍ، فَقَدْ صَارَ مُجْرِماً فِي الْكُلِّ (يعقوب2: 100)

و هذه الروح الناموسية عكس الروح المسيحية التي تبحث ولو عن شيء واحد لتمتدحه.

انظر كلام الرب مع السامرية: "حسنا قلتِ" (يو4: 17).

أما الناموسي فيبحث عن عيب واحد ينتقده.

 

ثانياً: الروح الفريسية

الفريسيون لازالوا بروحهم الفريسية في كل كنيسة وطائفة نظير الناموسيين ,

وهم يدعون التقوى والتكريس.ونجد أوصافهم في إنجيل متى 23

و بعض الأماكن الأخرى في العهد الجديد:
1-الانتقاد وإدانة الآخرين: فلما رأى الفريسي الذي دعاه ذلك تكلم في نفسه قائلا:

لو كان هذا نبيا لعلم من هذه الامرأة التي تلمسه وما هي أنها خاطئة (لو7: 39).. قارن (لو5: 21)
2-المناداة بتعاليم صعبة بغرض الظهور: فَإِنَّهُمْ يَحْزِمُونَ أَحْمَالاً ثَقِيلَةً عَسِرَةَ الْحَمْلِ وَيَضَعُونَهَا عَلَى أَكْتَافِ النَّاسِ

وَهُمْ لاَ يُرِيدُونَ أَنْ يُحَرِّكُوهَا بِإِصْبِعِهِمْ وَكُلَّ أَعْمَالِهِمْ يَعْمَلُونَهَا لِكَيْ تَنْظُرَهُمُ النَّاسُ. (مت4:23-5)
3-غلق الأبواب الروحية أمام الآخرين باي حجة:

 لأَنَّكُمْ تُغْلِقُونَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ قُدَّامَ النَّاسِ فَلاَ تَدْخُلُونَ أَنْتُمْ وَلاَ تَدَعُونَ الدَّاخِلِينَ يَدْخُلُونَ. (مت13:23)
4-يستخدمون مظاهر التكريس للمكسب المادي: لأَنَّكُمْ تَأْكُلُونَ بُيُوتَ الأَرَامِلِ ولِعِلَّةٍ تُطِيلُونَ صَلَوَاتِكُمْ.

لِذَلِكَ تَأْخُذُونَ دَيْنُونَةً أَعْظَمَ. (مت14:23)
5-لايكلون من نقل الروح الفريسية: لأَنَّكُمْ تَطُوفُونَ الْبَحْرَ والْبَرَّ لِتَكْسَبُوا دَخِيلاً وَاحِداً

وَمَتَى حَصَلَ تَصْنَعُونَهُ ابْناً لِجَهَنَّمَ أَكْثَرَ مِنْكُمْ مُضَاعَفاً (مت 15:23)
6-تغيير كلمة الله لتبرير من يريدون: وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْقَادَةُ الْعُمْيَانُ الْقَائِلُونَ:

مَنْ حَلَفَ بِالْهَيْكَلِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ  وَلَكِنْ مَنْ حَلَفَ بِذَهَبِ الْهَيْكَلِ يَلْتَزِمُ!أَيُّهَا الْجُهَّالُ

وَالْعُمْيَانُ أَيُّمَا أَعْظَمُ: أَلذَّهَبُ أَمِ الْهَيْكَلُ الَّذِي يُقَدِّسُ الذَّهَبَ؟(مت16:23-17)

7-التدقيق في الأمور الصغيرة لتمرير الأمور الكبيرة: وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ والْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ

لأَنَّكُمْ  تُعَشِّرُونَ النَّعْنَعَ والشِّبِثَّ والْكَمُّونَ وَتَرَكْتُمْ أَثْقَلَ النَّامُوسِ:

الْحَقَّ وَالرَّحْمَةَ وَالإِيمَانَ. كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَعْمَلُوا هَذِهِ وَلاَ تَتْرُكُوا تِلْكَ.أَيُّهَا الْقَادَةُ العُمْيَانُ الَذِينَ يُصَفُّونَ

عَنِ البَعُوضَةِ وَيَبْلَعُونَ الجَمَلَ (مت23:23-24)
8-الظلام الروحي: أَيُّهَا الفَرِّيسِيُّ الأعْمَى! نَقِّ أَوَّلاً دَاخِلَ الكَأْسِ وَالصَحْفَةِ لِكَيْ يَكُونَ خَارِجُهُمَا أَيْضاً نَقِيّاً. (مت26:23).

فالفريسي لا يتمتع أبدا بتجديد الذهن والمرونة لما يعلنه الروح القدس.
9-الاهتمام بالخارج دون الداخل (الرياء): لأَنَّكُمْ تُنَقُّونَ خَارِجَ الكَأْسِ وَالصَحْفَةِ وَهُمَا مِنْ دَاخِلٍ مَمْلُوآنِ  اختِطَافاً وَدَعَارَةً! ..

لأَنَّكُمْ تُشْبِهُونَ قُبُوراً مُبَيَّضَةً تَظْهَرُ مِنْ خَارِجٍ جَمِيلَةً وَهِيَ مِنْ دَاخِلٍ مَمْلُوءَةٌ عِظَامَ أَمْوَاتٍ وَكُلَّ نَجَاسَةٍ. هَكَذَا أَنْتُمْ أَيْضاً:

مِنْ خَارِجٍ تَظْهَرُونَ لِلنَّاسِ أَبْرَاراً وَلَكِنَّكُمْ مِنْ دَاخِلٍ مَشْحُونُونَ رِيَاءً وَإِثْماً (مت25:23،27-28)
10-العنف مع الافتخار بتاريخ الأجداد والصديقيين: لأَنَّكُمْ تَبْنُونَ قُبُورَ الأَنْبِيَاءِ وَتُزَيِّنُونَ مَدَافِنَ الصِّدِّيقِينَ 

وَتَقُولُونَ: لَوْ كُنَّا فِي أَيَّامِ آبَائِنَا لَمَا شَارَكْنَاهُمْ فِي دَمِ الأَنْبِيَاءِ!

فَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنَّكُمْ أَبْنَاءُ قَتَلَةِ الأَنْبِيَاءِ(مت29:23-31)

 

ثالثاً: الروح التحزبية

يخلط البعض أيضاً بين التكريس والروح التحزبية. فكثيرون كرسوا أنفسهم للدفاع عن مبادئ طائفة معينة

وحاربوا كل من يختلف معهم في الفكر وظنوا أن هذا هو التكريس للمسيح. لكن التكريس لطائفة أوهيئة -

إن لم يكن تكريساً مباشراً للرب - فهو لا يكون أكثر من روح تحزبية وطفولة روحية.

وبالطبع هذا لا يعني ألا أنتمي لكنيسة معينة، فهذا ضروري لكل مسيحي حقيقي، لكن التحزبية غير الانتماء..

"وَقَالَ يُوحَنَّا: "يَا مُعَلِّمُ رَأَيْنَا وَاحِداً يُخْرِجُ شَيَاطِينَ بِاسْمِكَ وَهُوَ لَيْسَ يَتْبَعُنَا فَمَنَعْنَاهُ لأَنَّهُ لَيْسَ يَتْبَعُنَا."

فَقَالَ يَسُوعُ: "لاَ تَمْنَعُوهُ لأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يَصْنَعُ قُوَّةً بِاسْمِي وَيَسْتَطِيعُ سَرِيعاً أَنْ يَقُولَ عَلَيَّ شَرّاً.

لأَنَّ مَنْ لَيْسَ عَلَيْنَا فَهُوَ مَعَنَا." (مر9: 38و39).

و ما قاله الرسول بولس: "لأَنَّكُمْ بَعْدُ جَسَدِيُّونَ. فَإِنَّهُ إِذْ فِيكُمْ حَسَدٌ وَخِصَامٌ وَانْشِقَاقٌ أَلَسْتُمْ جَسَدِيِّينَ وَتَسْلُكُونَ بِحَسَبِ الْبَشَرِ؟

لأَنَّهُ مَتَى قَالَ وَاحِدٌ: "أَنَا لِبُولُسَ" 

وَآخَرُ: "أَنَا لأَبُلُّوسَ" أَفَلَسْتُمْ جَسَدِيِّينَ؟ فَمَنْ هُوَ بُولُسُ وَمَنْ هُوَ أَبُلُّوسُ؟" (1كو3: 3-5) 

الدرس في عبارة واحدة:

يجب الحذر! فهناك اختلاف كبير بين التكريس وبين الناموسية والفريسية والتحزبية.

صلاة:

يا رب يسوع :احفظ تكريسي لك وعلمني أن أسلك بروحك،

روح النعمة, ولتحفظني من روح الناموسية  والفريسية والتحزبية. آمين. 

شارك المحتوى - Please Share

 
 
Loading
 

 

Live Help